المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مخلوقة من تعب


رانية
24-01-2010, 10:02 PM
مصابة أنا بفوبيا الاجتماعات الكبيرة , الذهاب إلى الحفلات يصيبني بالدوار .. أشعر بأنها مبطنة بالخيبات واللقاءات المحبطة , لا يتسع الفرح لي , ولا أجيد فن التظاهر بالانسجام .

لا أعلم ما الذي دفعني إلى إجابة دعوة ( نورة ) , لو أخلفت الموعد لو تظاهرت بنسيانه , لا شيء يدعوني إلى الالتزام , هي تُصر على اقتراف صداقتي ,

أنا الطالبة الجديدة المحملة بالغربة , أتيت هاربة من خُذلان الوطن وانتقادات أمي وتجاهل أبي , لاأحتاج إلى صداقة جديدة في هذا الوقت ولا في أي وقت آخر , أحب القراءة وأنغمس بين دفتي الكتاب كورقة مصفرة , أتخذ من القراءة حجة للإنعزال , هي من انتزعتني من بين الكتب , أقبلت علي مبتسمة تشع منها الحياة , حين مدت يدها تصافحني قالت أنا نورة زميلتك وابتسمت, كم رغبت ساعتها أن أُعرف عن نفسي باسم آخر أحبه , ولكن.. تباً لتلك الأوراق التي تحمل اسماء لا تُعبر عنا ولا تصفنا هي خليط من أذواق الأمهات وذكرى لعشيقات الأباء . أنا ( روان ) وابتسمت لها , لم تدع لي فرصةً لأنتزع نفسي منها , منذها وهي تتفقدني تأتي لتُثرثر عن مغامراتها وحبيبها وأشياء آخرى لم اقترف الحديث عنها أو ممارستها من قبل ,, بالأمس دعتني إلى حفلة عيد مولدها , أصرت فأجبت , قالت بأن أصدقائها سيتعرفون علي بمجرد رؤيتي , تكلمت لهم كثيراً عني , وصفتني بدقة كما تقول .

ها أنا أقف في مدخل القاعة ومازلت ألعن اللحظة التي أجبت بها الدعوة , أنظر إلى الحضور بعينٍ هلعة , يتسارع نبضي وأسحب نفساً عميقاً يكاد يفجر رئتي من شدته , وانتظر رؤية ( نورة ) أو أن يتعرف علي أحد اصدقائها , ربما وصفت لهم ابتسامتي الخالية من الحياة ووجهي المملؤ بصفعات الزمن , تأتي إلي مسرعة لتنتشلني مني كما تفعل دوماً , تغمسني بين الحضور , تعرفني عليهم , أقف مبتسمة ممدودة اليد , كتمثالٍ في ميدانٍ كبير , لا أدقق بالوجوه كثيراً فقط أتمنى انتهائها , لحظة مصافحتي له و احتضان كفه لكفي كأم تحتضن وليدها , عيناه المبتسمتان بسكينةٍ تشبه صلاوات الرهبان

هو الشخص الذي تمنيت ألا أقابله في محطات العمر ليقيني بأنه لن يُغادرني , الشخص الذي يسكنك أبداً حتى وإن ابتعد عنك ,الشخص الذي يفرض عليك الوقوع في غرامة , يدفع قلبك للخفقة الأولى منذ النظرة الأولى .

ينتثر الحضور في القاعة و( نورة ) تتنقل بينهم كفراشة , وانزوي أنا في الركن القريب منه , أرقب كلماته المنتقاة بعناية فارهة , تشعر بأن الكلمة تتشبث بشفته محاولةً ألا تفارقه , تتلكأ بالخروج منه لتبقى معه مدةً أطول , هو متصالح مع اللغة صديق للأدب _ هذا ماكتشفته من أسلوب حديثه _ ادقق النظر في حذاءه , أحاول أن أتعرف عليه أكثر , هذه العادة الغريبة الملازمة لي , أهوى الربط بين شخصية الإنسان وحذاءه ,, رجلٌ راقٍ هذا ما أوحاه لي رباط حذاءه المعقود بعناية فائقة واحكام شديد كياقة قميص الطفل الأول في يومه الدراسي الأول , أكره تلك الأربطة المهملة المتدلية كلسانٍ قليل التهذيب في فم شخص غبي , واشمئز من أصحابها .

تنتشلني ( نورة ) من تأملاتي ونقترب منه , يتجمع الكثير , يتكلمون , أحاول أن أصغي لحديثه وحده , أن أعزل كلماته عن كلامهم , أن ينفرد سمعي بما يقول وحده .

يتكلم عن تفضيله للفتاة الخجول , عن اعجابه بالفتاة القارئة , أجمع علي أثوابي وأحاول أن ألملم علي نفسي , توشوش لي الخيبة بأنه يصفني , يُغريني حديثه بالذوبان في حلم جميل , أغمض عيني واستمع له منعزلةٍ به عما ماحولي , أشعر بأني أقف على عتبة الحب وأفتح ذراعي لأهوي فيه , أغمض عيني بشدة وأرسمه في خيالي ماداً ذراعيه ليتلقفني , وأصغي له أكثر . يخفت صوته , اسمع لغطهم يعلو يتكلمون عن قادمةٍ يسرع إليها أحدهم , يتهامسون عن حب , يتحدثون عن شوقٍ يعبر بأحدهم إلى آخرى قادمة , أفتح عيني وافتش عنه , اتبع خطوات صوته , ليتعثر بصري بهما , هو والقادمة , انظر إليها شديدة الجمال , بل يكاد الحسن أن يتبسم في وجهها , ممشوقة القوام , فارهة الجسد , كأنها منحوتةٌ من مرمر ,كثيرة الحركة كثيرة الكلام , لم تكن هادئةٍ كما يفضل , أدقق النظر في عينيها لا شيء بهما يشي بكثرة القراءة , هما خاليتان من بريق الكلمة وإن كانتا مملوئتان ببريق الحياة , لا يوجد في نظراتها ما يبحث عن سطرٍ ناقص أو يفتش عن تفسير لجملة كاتب , هي تهوى الغناء والرقص هذا ما دل عليه تمايلها مع أنغام الموسيقى منذ لحظة تأملي لها ,, فتاة لعوب أو مستهترة هذا ما أوحاه لي حذاءها العالي الخالي من أي شيء سوى سوار رفيع يحيط بأصابعها , لو كانت فتاة آخرى لكنت حكمت بأنها فتاة منطلقة بدلالة الحذاء , لكن مستهترة أو لعوب كان وصف يناسب حنقي ساعتها .

أضم كفي لكفي الأخرى بشدة متخذةً منهما دعامةً تسند جسمي لتبقيه منتصباً, هكذا هم يتشدقون بحب العقل ويجتذبهم الجسد,, تباً للرجال أجمع , بل تباً لكل مذكرٍ عرفته الدنيا وفي مقدمتهم الحب والحذاء المؤنق .

أستأذن من ( نورة ) أعتذر بارتباطي بموعد مع صديق أقول صديق عزيز وأحاول أن أشدد على كلمة عزيز حتى تبدو وكأنها حبيب , أرفع صوتي وأرفع معه بصري لأبحث عنه علّه يسمعها , كان ملتصقاً بها منهمكاً في إلتقام كلماتها,,

تباً لكلماتٍ لا تؤدي رسالتها , أعرف بأنه لن يهتم ولكن لو كان سمعها لهدأ شيء في نفسي , أسرع بالخروج

أمشي بخطوات سريعة وكأن قدماي تتحدثان عن غضبي عن انكساري عن هزيمةٍ في معركةٍ كنت أنا جميع أطرافها ,

عن أشياء كثيرة ترتطم داخلي , أشعر بأن قدماي تحدثا الرصيف بخيبتي , أشعر بتعاطفه معي , يحاول الإمتداد أكثر لأتحدث أكثر علي أرتاح , أو ألقي ببعض أحمالي على عاتقه .

أدخل غرفتي أرمي بملابسي على الأرض , وحده حذائي إلتقطته ولمعته بعناية أزلت ما علق به من دموع الأرصفة لحظة تعاطفها معي , أدسه في كيس القماش وأرفعه عالياً , أرتمي في حضن السرير _ وحده يجيد أحتضاني _ ألعن الحفلات والصداقات المفروضة والأسر المهترئة والوطن الذي تجبرنا غربة العيش فيه على اللجوء لأنياب غيره , أعتصر قلبي بيدي وأشتم الدفقات المندفعة بلا استئذان , والخفقات المدغدغة بالحب , أسمح لدمعي بأن ينهمر فلعله يدفعه معه ما سكنني منذ ساعات , يندفع الدمع وتبقى الأشياء التي سكنتنا غير قابلةٍ للإزالة .

Trouble
24-01-2010, 11:19 PM
أكثر المشاهد الكلاميّة لئامة عند النساء بعد احتراف مواسم البكاء والحزن الطويل : هي التي يبدو عليها أثر النكد طافح ! وبشكل غريب تبقى تلكم الملامح مشغولة بصورة مباشرة أو غير مباشرة بمتلازمة قياس حجم قلب الرجل المسكين لأسباب غير منصفة يعجزن فعلاً عن تحليلها . و يا للعجب أن وجههن على الأغلب من الرجل كالبئر الفارغ لا ينضح إلا بالطميّ المترسب .

و برافو !

FAR...CRY
26-01-2010, 09:09 PM
أو هكذا يكون الكفر بالنظرات الأولى، و الإيمان بأنها ممارسة فقد، غالباً، أشياءكِ جميعاً منذ نورة تسوقكِ إلى فعل طائش يُدعى توقع، و لكان أكثرهم عقلاً أكثرهم لهواً إذا كان قياسهم ربطات متقنة و أحاديث ساحرة، لكنهم يا رانية، بخلاف الأحذية، يحتاجون أكثر من نظرة و نقاش قصير، خاصة الذي قدرهُ حُب إحتضان أنامل تكتب مثل هذا الجمال هنا، هذا الذي ديّم صدري،


:gf:

أسلوب
29-01-2010, 02:53 AM
ما إن تنكفئي يا رانية نكون مهددين بأحاديث كثيرة , بينها هذا السيناريو:


ها أنا أقف في مدخل القاعة ومازلت ألعن اللحظة التي أجبت بها الدعوة , أنظر إلى الحضور بعينٍ هلعة , يتسارع نبضي وأسحب نفساً عميقاً يكاد يفجر رئتي من شدته , وانتظر رؤية ( نورة ) أو أن يتعرف علي أحد اصدقائها , ربما وصفت لهم ابتسامتي الخالية من الحياة ووجهي المملؤ بصفعات الزمن , تأتي إلي مسرعة لتنتشلني مني كما تفعل دوماً , تغمسني بين الحضور , تعرفني عليهم , أقف مبتسمة ممدودة اليد , كتمثالٍ في ميدانٍ كبير , لا أدقق بالوجوه كثيراً فقط أتمنى انتهائها , لحظة مصافحتي له و احتضان كفه لكفي كأم تحتضن وليدها , عيناه المبتسمتان بسكينةٍ تشبه صلاوات الرهبان



إجمالاً يا رانية
هذا النص فخركِ , كما أنهُ يكورنا لغيمة لا تنتظر إشارتكِ
وحدكِ من يهطل بدفئ :gf:

يمام
03-02-2010, 05:41 AM
مخلوقة جميلة..

LiNa
03-02-2010, 04:50 PM
الوطن الذي تجبرنا غربة العيش فيه على اللجوء لأنياب غيره
رائع هذا الوصف يا رانيا ، بداخل وطننا غربة و خارجه أنياب
إذا بكل الأحوال لا هناء لعيشنا إلا بصعوبة !
يندفع الدمع وتبقى الأشياء التي سكنتنا غير قابلةٍ للإزالة .
اي و الله ، فرغم أن النسيان نعمة إلا أن هناك أشياء تسكننا ، تعمّر بنا ، تأثر علينا و لا ننساها ، لا ننساها أبداَ.